الإدارة الطارئة للركام في قطاع غزة
عملية هندسية للتعافي المبكر تفتح الطرق، وتؤمّن الأحياء، وتحوّل الأنقاض إلى مورد لإعادة الإعمار
حين تتوقف الحرب لا تتوقف مخاطرها. في مدينة غزة وشمالها تقف جبال من الركام مكان ما كان بيوتاً وشوارع ومدارس ومرافق عامة؛ تسدّ الطريق أمام سيارات الإسعاف وشاحنات الإغاثة، وتعزل الأحياء عن شبكات المياه والكهرباء، وتحول دون عودة الأسر إلى أرضها. وتحت هذا الركام يكمن ما هو أخطر: أجسام متفجرة من مخلفات الحرب، وجدران آيلة للسقوط، ومواد خطرة تنتشر مع الغبار.
استجابةً لذلك، تنفّذ جمعية غزة للزراعة والبيئة مشروع الإدارة الطارئة للركام في قطاع غزة، بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي/برنامج مساعدة الشعب الفلسطيني (UNDP/PAPP)، وبتمويل من حكومة النرويج ممثلةً بوزارة الخارجية النرويجية، وبالتنسيق مع البلديات والجهات المختصة في المناطق المستهدفة. ولا يقف المشروع عند رفع الأنقاض؛ بل يعالجها ويعيد استخدامها في تأهيل الطرق وحماية الشاطئ وتجهيز مواقع الإيواء المؤقت، ويرافق ذلك برنامج توعية مجتمعية يحمي السكان من مخاطر الركام ومخلفات الحرب.
أهداف المشروع
يركز المشروع على إزالة الركام من المناطق الأشد تضرراً بطريقة آمنة تُدار فيها المخاطر، وعلى تحويله من عبء إنساني وبيئي إلى مورد لإعادة الإعمار. ويعمل على:
• هدم المنشآت المتضررة غير الآمنة، وفرز الركام ونقله من البنية التحتية الحيوية والطرق والمناطق السكنية والمباني العامة
• إعادة فتح الطرق والوصول إلى الأحياء، بما يمكّن الأسر من العودة ويسهّل وصول الخدمات والمساعدات
• تكسير الخرسانة ومعالجتها وإعادة استخدامها في تأهيل الطرق وحماية الشاطئ وتجهيز مواقع الإيواء المؤقت
• التقييم الإنشائي للمباني المتضررة ووضع خطط هدم آمنة لها
• رفع وعي السكان بمخاطر الأجسام المتفجرة من مخلفات الحرب، وبالحماية من الاستغلال والانتهاك الجنسيين، وبقضايا الحماية والنوع الاجتماعي
• دعم جهود التعافي المبكر وتهيئة الأرض لمرحلة إعادة الإعمار
المشروع بالأرقام
• 167,000 طن من الركام تُهدم وتُفرز وتُنقل من البنية التحتية الحيوية والطرق والمناطق السكنية والمباني العامة إلى أقرب موقع تكسير
• 105,000 متر مربع تُجهَّز بالخرسانة المعاد تدويرها لتأهيل الطرق وحماية الشاطئ ومواقع الإيواء المؤقت، بعد التكسير والفرش والدمك والفحوصات المخبرية
• 10,000 أسرة في مدينة غزة وشمالها تصلها رسائل السلامة عبر جلسات توعية جماعية وزيارات من بيت إلى بيت
• كل حمولة شاحنة تُوزن وتُوثَّق ببطاقة وزن، وتُدخل في نظام رقمي يومي يتابع الأطنان والرحلات وساعات المعدات مقابل الخطة
• عقود أعمال واستشارات هندسية تُرسى عبر مناقصات تنافسية معلنة، وفق إجراءات الشراء المعتمدة لدى الجمعية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي
من الركام إلى مورد: كيف يعمل المشروع؟
تبدأ الرحلة بهدمٍ تُدار فيه المخاطر للمنشآت المتضررة غير الآمنة، بعد تقييم إنشائي يحدد طريقة الهدم وتسلسله. ثم يُفرز الركام في الموقع: خرسانة خام، وخرسانة ناعمة، ومواد غير خرسانية تُعزل وتُنقل إلى مواقع التخلص المعتمدة. تُنقل الخرسانة بعد ذلك في حمولات موثّقة إلى أقرب موقع تكسير، حيث تتحول إلى ركام مُدرَّج تُجرى عليه الفحوصات اللازمة، قبل أن تعود إلى الميدان طبقاتٍ للطرق، وحمايةً للشاطئ، وأرضياتٍ ممهدة لمواقع الإيواء المؤقت.
بهذا يتحول الركام من عبء يُدفن إلى مادة بناء محلية، في وقت تشحّ فيه مواد البناء ويصعب إدخالها؛ فكل طن يُعاد تدويره يوفّر مادة مستوردة، ويقلّص حجم المكبات، ويحدّ من الأثر البيئي لعمليات الإزالة.
السلامة أولاً
إزالة الركام في غزة ليست عملاً هندسياً فحسب؛ بل إدارة مخاطر لا تتوقف. فقد تخفي الأنقاض ذخائر لم تنفجر، وتقف على أطرافها جدران مائلة، ويعود إلى جوارها أطفال وأسر يبحثون عن ممتلكاتهم. لذلك يعمل المشروع وفق منهجية تُدار فيها المخاطر: تقييم للموقع قبل أي تدخل، وإجراءات لوقف العمل والإبلاغ عند العثور على أي جسم مشبوه، وخطط للصحة والسلامة المهنية في كل موقع، وطواقم مدرّبة على التوعية بمخاطر الذخائر المتفجرة.
وبالتوازي مع أعمال الإزالة، ينفّذ فريق الإشراك المجتمعي في الجمعية برنامجاً توعوياً يستهدف 10,000 أسرة في المناطق المشمولة بالمشروع، عبر جلسات جماعية وزيارات من بيت إلى بيت، يتعلم فيها الكبار والأطفال كيف يتعرّفون على الأجسام المشبوهة، ولماذا لا يقتربون منها أو يلمسونها، وكيف يبلّغون عنها بأمان. وتغطي الجلسات كذلك الحماية من الاستغلال والانتهاك الجنسيين وقضايا الحماية والنوع الاجتماعي، بما يضمن أن تكون المساعدة آمنة لمن يتلقاها.
دور الجمعية
تقود الجمعية المشروع بصفتها الشريك المنفذ لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبر منظومة متكاملة تجمع بين الهندسة والإدارة الميدانية والمساءلة:
• تخطيط الأعمال على مستوى المناطق والبلوكات بالتنسيق مع الشريك والبلديات والجهات المختصة
• طرح المناقصات التنافسية وإدارة عقود المقاولين والاستشاريين، وضبط الالتزام بالبرنامج الزمني ومعايير الجودة
• إشراف هندسي يومي في المواقع من مهندسي الجمعية: توجيه أعمال الهدم والفرز، ومتابعة النقل، ومراقبة تشغيل المعدات
• توثيق كل رحلة نقل ببطاقة وزن، ونظام رقمي يومي يتابع الأطنان والرحلات وساعات المعدات واستهلاك الوقود مقابل الخطة
• فحوصات جودة على الركام المكسّر قبل إعادة استخدامه
• آلية شكاوى مجتمعية عاملة، وتقارير شهرية للشريك تستند إلى بيانات ميدانية موثّقة
الأثر
مع كل شارع يُفتح تعود الخدمات إلى حيّ، ومع كل قطعة أرض تُنظَّف تعود أسرة إلى مكانها، ومع كل طن يُعاد تدويره يقترب القطاع خطوة من إعادة إعمار تقوم على موارده المحلية. ويحمي برنامج التوعية أرواح من يعيشون إلى جوار الركام حتى يُرفع آخر حجر.
وعلى المستوى الأوسع، يمثل المشروع الحلقة الأولى في سلسلة التعافي: فلا إعادة إعمار دون أرض نظيفة وآمنة، ولا عودة دون طرق سالكة، ولا استدامة دون إعادة استخدام ما يمكن استخدامه.
شراكة من أجل التعافي
يجسد المشروع نموذجاً عملياً للشراكة بين المؤسسات الوطنية والدولية: تمويل نرويجي، وإشراف أممي، وتنفيذ فلسطيني محلي بخبرة هندسية وميدانية عميقة. وهو جزء من محفظة شراكة متنامية بين SAFE وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي تشمل إعادة تأهيل المساكن، والمأوى الانتقالي، وحقائب الكرامة، وتأثيث مساحات التعلم المؤقتة، ودعم الفئات الأكثر هشاشة في مختلف محافظات القطاع.
من الركام إلى الكرامة.. ومن الاستجابة إلى التعافي. ندعو شركاءنا والجهات المانحة إلى البناء على هذا النموذج وتوسيعه؛ فما تزال ملايين الأطنان من الركام في غزة تنتظر من يرفعها.