app.menu
قصص 8 مارس 2026

من الخيمة إلى البيت: هناء تستقبل مولودها الخامس في بيت آمن

من الخيمة إلى البيت: هناء تستقبل مولودها الخامس في بيت آمن
تفاصيل الخبر

 

الحي الياباني، خانيونس

في أواخر الثلاثينيات من عمرها، لم تكن هناء تحمل على عاتقها مسؤولية طفل جديد فحسب، بل مسؤولية بيت كامل وأسرة تعتمد عليها بشكل شبه كلي. فزوجها، الذي يعاني من إعاقة ذهنية، لم يكن قادراً على تحمّل أعباء الأسرة اليومية، لتجد هناء نفسها الراعية الأولى والأخيرة لبيتها وأطفالها الأربعة، بينما كانت تحمل في أحشائها طفلها الخامس.

بيت هناء، قبل الحرب، لم يكن كبيراً ولا فخماً، لكنه كان بيتاً يكفي أسرتها: غرفتان للمعيشة، والمرافق الأساسية — المطبخ والحمام — في الطابق العلوي، وسقف من ألواح الصفيح يحمي العائلة من المطر والشمس. بيت بسيط، لكنه كان المأوى.

ثم جاء القصف. لم يترك الدمار لهناء وأسرتها شيئاً يُذكر. فقد المنزل سقفه بالكامل، وتحطم المطبخ والحمام، وأصبح البيت الذي احتضن أسرتها لسنوات مكاناً مكشوفاً للسماء، بلا حماية من برد أو مطر أو حر. لم يعد هناك مكان صالح للسكن، ولا حتى للجلوس بأمان.

اضطرت العائلة للنزوح إلى الخيام، وهناك أمضت هناء فترة الحرب والنزوح بأكملها. لم تكن تلك الأشهر عابرة، بل امتدت لتشمل فترة حملها كاملة تقريباً — تسعة أشهر من القلق، من مقاومة البرد والحر، من غياب الخصوصية، ومن مسؤولية رعاية أربعة أطفال ووالدهم في مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار من القماش. كل هذا بينما جسدها يحمل حياة جديدة، وبينما تدرك أن يوم الولادة، أياً كان مكانه، لن يكون سهلاً.

لكن الأمل كان قد بدأ يتشكل. فمع انطلاق مشروع إعادة تأهيل المأوى الطارئ والتهيئة لفصل الشتاء في غزة والذي نفذته جمعية غزة للزراعة والبيئة (SAFE) بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بين أكتوبر 2025 ومارس 2026، كانت وحدة هناء السكنية من ضمن 232 وحدة شملها المشروع. لم يكن الترميم عملية بسيطة، بل إعادة بناء شبه كاملة: سقف جديد يحل محل الفراغ المكشوف للسماء، مطبخ وحمام أُعيدا من الصفر، وشبكات مياه وصرف صحي أُعيد ربطها بعد انقطاع طويل.

وقبل أن تضع هناء مولودها الخامس بوقت قصير، اكتمل الترميم، وعادت العائلة إلى بيتها. لأول مرة منذ أشهر طويلة، وجدت هناء نفسها بين جدران حقيقية وتحت سقف محكم، لا تحت قماش خيمة يتطاير مع كل هبة ريح. وهناك، في ذلك البيت الذي أُعيدت له الحياة، وضعت طفلها في مكان آمن ودافئ.

تختصر هناء تجربتها بجملة بسيطة، لكنها تحمل ثقل أشهر من المعاناة:

"كنت قادرة أن أُنجب في مكان أكثر أماناً ودفئاً."

خلف هذه الكلمات القليلة، تختبئ قصة امرأة تحمّلت وحدها عبء أسرة كاملة — زوج يحتاج للرعاية بدل أن يقدّمها، وأربعة أطفال، وحمل خامس امتد عبر أقسى ظروف يمكن أن تعيشها أم. ومع ذلك، وبفضل جهود الترميم التي وصلت في الوقت المناسب، لم يُكتب لهذا الطفل الخامس أن يبدأ حياته وسط الغبار وانعدام الأمان، بل في بيت أُعيد بناؤه خصيصاً ليكون جاهزاً لاستقباله.

قصة هناء ليست فقط عن جدران أُعيد تشييدها أو سقف أُعيد تركيبه، بل عن امرأة تحمّلت فوق طاقتها، وعن مولود جديد مُنح فرصة أن يبدأ حياته في مكان يستحقه — بيت آمن، دافئ، وجاهز لاحتضان عائلة أعادت العافية إليها يد العون في الوقت المناسب.